قد يرتكز المنطق على ما نراه تناقضات بينة ، لكن ذلك الارتكاز لا يعني بالمطلق أن بنية الرأي تكون منطقية عندما تتجرد من التاريخ .
فمن المعلوم أن الصوفية كأداة دينية عرفت وفق غاية التطهر النفسي والنقاء الروحي وإجهاد الإنسان في مواجهة شهواته لصالح رسالته .
لكن التعريفات الحدية لا تأخذ معها حمولة التاريخ ولا تتقيد بالفعل الاجتماعي أو الثقافي للمذاهب الإنسانية عموما بما في ذلك الدين عموما .
فهناك من يحاول تقزيم الدين في طقوس وعبادات وعلاقة فردية بن العبد وربه ، إلا أن الحقيقة أعمق بكثير من هذا التصور السطحي للدين عموما ولتشكلاته المذهبية والروحية خصوصا .
فمن يعتقد صحة مذهبه أو طريقته فسيكون مدينا وفق ذلك الاعتقاد بالتبشير به والتمكين له ، ومن هنا تبدأ رحلة الفعل الاجتماعي والسياسي للمذهب أو الطريقة ، وفي أثناء تلك الرحلة يتشكل الوعي الثقافي الذي يأتي لاحقا كمحدد للأشكال السياسة .
عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة ظهرت بوادر حديث “ثائر” وفق تصنيف يرى أصحابه أنه تقدمي وثوري ، عن ظاهرة الحضور السياسي للطرق الصوفية وقادتها (النمجاط نموذجا)، باعتبارها ظاهرة رجعية تخل بكفاءة التجربة الديمقراطية بل وتذلها لصالح التقاليد العتيقة .
والحقيقة أن هناك اختلافا جوهريا بين شكل هذا الحديث ومضمونه ، فمن حيث الشكل تبدو المقاربة منطقية وفق شروط الاستحضار الأعمى للتجربة الديمقراطية في الفلك الثقافي المسيحي ( التجربة الغربية عموما ) ، وهذا في مجملة تقزيم غير مبرر و لا منطقي للتاريخ والثقافة معا .
فالكتلة النقابية في المجتمع الصناعي هي في جوهرها استنتاج سياسي للشكل الاجتماعي القائم على طريقة و أساليب الحشد وليس لغايات أخلاقية من حيث الشكل .
لكن الديمقراطية وفق شكلها الليبرالي المؤسس بدأت في أخلقة هذه الأداة وفق منهج تاريخي يعرف ب “تثقيف الغاية” وهو منهج يعرف أيضا ب “الأنسنة” .
وإذا قررنا وفق هذا المنهج أن نوائم بين ديمقراطيتنا كمجتمع صحراوي رعوي فإن من السطحية أن نحاول تبيئة الشكل الديمقراطي في المجتمعات الصناعية ضمن بيئة ثقافية واجتماعية لا تمت بصلة لتلك التي تبهرنا مآلات تجربتها تلك .
وفي هذا السياق سأتحدث عن الطرق والكيانات الصوفية في التاريخ السياسي للمنطقة لأختتم بعد ذلك بسؤال أترك إجابته للمهتمين بصناعة تجربة ديمقراطية واعية ضمن حيزنا الخاص .
التصوف خارج تعريفه الحدي هو فعل حضاري شامل ، ومعني بكل جوانب الحياة (الاجتماعية والثقافية والسياسة ) فحياة الفرد ضمن الغاية الربانية ليست كيانا خارج الطور الاجتماعي والمعرفي لمحيطه الإنساني ، وهو بذلك يحتاج لبيئة تعزز استقامته وفق معادلة تقليص الحاجة للزيغ عن أمر الخالق المعبود من ناحية ، وتشكيل مجتمع يضمن لذلك الفرد بيئة مساعدة على سلوكه المسلك الرباني دون الحاجة للعزلة الفردية من ناحية أخرى.
وتصميم المجتمع يعني تصميم نواظمه السلوكية وحماية تلك النواظم من التفكك .
وهذه المعادلة البسيطة هي التي تدفع بالتصوف إلى ممارسة السياسة كأداة تنظيم وحماية للمشروع المبدئي نفسه، ولذلك سيكون من الوجيه والمنطقي وفق هذا الواقع أن تتحزب الطرق لبناء مركزها ضمن البيئة السياسية المحيطة بالكيان الروحي والاجتماعي الذي ترعاه .
وبالرجوع إلى تاريخ المنطقة سنجد أن الطرق والكيانات الصوفية قد مارست السياسة ضمن ثلاث مستويات وهي :
- بناء وتأسيس الدول
- مقاومة الاستعمار
- دبلوماسية الانتشار والمصاهرة
المستوى الأول : بناء وتأسيس الدول
وهنا لا يمكن الحصر إلا أنني سأذكر نماذج للتعليل والتعضيد فالمقام ليس مقام الدراسة والحصر .
- الدولة السنوسية في ليبيا
- الدولة السوكتية في نيجيريا على يد الشيخ عثمان بن فودي (القادرية)
- دولة ماسنا شرق مالي التي أقامها الشيخ أحمد بن لبو (الصوفية القادرية )
- الدولة الفوتية في فوتا وأجزاء من غرب مالي في عهد الحاج عمر الفوتي (التيجانية ) .
المستوى الثاني : مقاومة الاستعمار
فعلى سبيل المثال لا الحصر ، قاوم المتصوفة السنوسيون ضد الاستعمار الإيطالي إلى جانب كل القوي الوطنية آنذاك .
وكذلك فعل أتباع القادرية في الجزائر وعلى راسهم المجاهد المعروف بالشيخ عبد القادر الجزائري ، إلى جانب الشيخ بوعمامة (اتباع الطريقة الطيبية) و اتباع الطريقة القادرية البكائية ( الشيخ عابدين في الجزائر وأزواد) .
وكذلك جهاد أتباع الطريقة القادرية الفاضلية موريتانيا والمغرب (حلف الشيخ ماء العينين )
كما قاد الحاج عمر تال حربا ضروسا ضد الاستعمار الفرنسي في مالي والسنيغال ( الطريقة التجانية ) ومن بعده إبنه أحمد الكبير المعروف بالمدني .
إضافة إلى جهاد الحمويين المعروف في غرب وجنوب مالي وشرق موريتانيا .. الخ .
المستوى الثالث : دبلوماسية الانتشار والمصاهرة
أما إسهام الطرق والكيانات الصوفية في تشكيل الهوية الاجتماعية في المنطقة فهو ما نحتاج فيه للحصر لصعوبة البسط ، ويتلخص في الدعوة ونشر الدين والتخليق الثقافي للكيانات السياسية في المنطقة .
ومن هؤلاء على سبيل المثال
الشيخ سيدي المختار الكنتي والشيخ محمد الحافظ العلوي الشــيخ محمد فاضل بن مامينا و الشيخ عبد الكريــم المغيلي وغيرهم من أتباع وقادة الطريق القادرية و التجانية والشــاذلية ممن يضيق المقام والمقال عن ذكرهم وتتبع ودراسة أثرهم .
يضاف لهذا الدور الدعوي ما خلقته تلك المدارس من مصاهرات ثقافية وقومية نتج عنها بناء نموذج مفاهيمي عظيم يتعلق بتعارف وتفاعل شعوب المنطقة وباستكمان صورة بينية ناصعة لدى قوميات وقبائل المنطقة ( شيخ بيظاني في السينغال و شيخ زنجي في موريتانيا ولكل منهما أتباعه من مختلف القوميات والدول والقبائل ) إضافة للدور الكبير الذي لعبته المصاهرات المعروفة في تشكيل مرجعات إقليمية كان لها فضل كبير في نزع فتيل الكثير من الازمات المستعصية على الساسة والدول .
وإضافة إلى كل ما سبق ، نجح التصوف في تسويق نفسه كأداة جامعة في مجتمعات تتعدد فيها أدوات الصراع والانقسام (القبيلة ، الجهة ، العرق ، والحدود السياسية حديثا )
على صعيد أخر لم تكن القوي الاستعمارية مرتاحة لهذه الكيانات العصية على الاختراق والتفكيك ، فبرزت دعوات كالتي نسمع اليوم عن تعارض الكيانات التقليدية عموما مع المدنية والديمقراطية وهي دعوة سياسية فرضتها معطيات ميدانية معقدة تتعلق بموقف المستعمر من هذه الكيانات لا موقف مجتمعات المنطقة منها.
لقد ساهمت المدراس والطرق الصوفية في المنطقة في كل التشكلات والتجاذبات السياسية تاريخيا ، وكان حضورها قويا ومحفزا وقد شاركت القوى المحلية والتقليدية الأخرى ( الإمارات والقبائل ) كل الجهود المبذولة في حماية المنطقة من الاستعمار وطرده منها لاحقا .
وهذا الدور التاريخي هو ما منحها ثقلا سياسيا في ظروف السلم والفاعلية الأهلية ذات البعد السياسي .
فلا يكاد سياسي في المنطقة يلج حملة انتخابية حتى يعقل ركبتيه عند المشيخات الصوفية طالبا للتزكية والدعم ومتقربا إلى الأتباع الخلص .
ففي إفريقيا هناك أكثر من 120 مليون ناخب ينتظر توجيها من مشيخته وعلى مستويات متعددة.
اليوم تنطلق هذه الدعوة في موريتانيا وهي الدولة الأقل حشدا للمريدين في الحاق السياسي .
وهذه الدعوة الجديدة القديمة لم تستأنس مطلقا بالتاريخ .
فمن يعرف تاريخ المنطقة وما قدمته المشيخات الصوفية في سبيل الاستقرار والسلام ، سيدرك أن دورها السياسي هو جزء لا يتجزأ من موروثنا السياسي الملتصق عضويا بموروثنا الاجتماعي والثقافي.
و على موريتانيا أن تعتني بحواضرها الصوفية وتجعل منها أقطابا سياحية وروحية وسياسية ، وتكفل لها دورها في الحضور الحر في المشهد الوطني .
فالجماعة الصوفية في مجتمع صحراوي لا تختلف عن الجماعة السياسية في مجتمع صناعي ( لديها رؤيتها ومشروعها وحضورها السياسي ) .
وما حدث في النمجاط هو مجرد إحياء لسنة سياسية كادت أن تندثر في فوضى التحلل الثقافي وضمور الفكرة الوطنية القائمة على التاريخ الثقافي والاجتماعي للمنطقة .
فمن غير اللائق أن نمجد تاريخ المدرسة الفاضلية في المقاومة وإسهامها في تجربتنا السياسية في الوقت الذي نضن عليها بالحضور في المشهد السياسي كفاعل وطني يعمل وفق وضمن الدستور والقوانين .
محمد افو
الأحد 14/07/2024













