ولدت في بيئة يُعَمَّدُ فيها المولود بماء الشعر، ويُستقبل فيها الحاج العائد من منسكه بأهازيج الشعر، وتُزف فيها العروس إلى مخدعها في ملاءة سوداء من الشعر، حتى الميت يقرؤون عليه بعد أن يُسجّى في لحده سورة الفاتحة، وقصيدة من بحر الطويل.كان أبي يشرب الشعر أكثر مما يشرب القهوة والماء، وكانت جدتي حين تحترق تطفئ لهيبها المستعر بشبم من قراح الشعر.كان بروز شاعر في القرية حدثًا بحجم ظهور نبي، وكان الطفل أول ما يحفظ بعد سورة الفاتحة والمعوذتين والإخلاص نونية ابن مقبل، وكافية ابن الدمنة، وأبيات منتقاة من قصيدة أبي القاسم القرطبي:يانسمة باكرت من صوب دارينيوافت إلي على بعد تحيينيسرت على صفحات النهر ناشرةأثوابها بين خيري ونسرينيالشعر شعور تكتبه الطفولة، وقد ظهرت أصوات تريد للشعر أن يتعالى على بساطة اللغة وأن يتخذ من المفردات المعجمية تاجًا وصولجانًا كأمبراطور من القرون الوسطى، والشعر ليس ملكًا يجلس على العروش، وإنما شعور يتوسد الرمل، ويمشي حافيًا على العشب، يشرب الصهباء العقار كما يعبُّ العذب الفرات، ويدرع الظلام ويأكل القديد، ويمشي في الأسواق…وقد كان التمايز في نظري بين القصيدة النثرية والشعر الحر والعمودي تمايزًا بنيويًا، أما روح الشعر فقد تسكن في أحياء النثر العشوائية، وتعرش على نوافذ الشعر الحر المشرعة على الأفق، دون أن تقطن في أبراج مدينة الخليل ذات الأبواب المتشابهة.حين قال البحتري عن عمر بن أبي ربيعة: «ما زال هذا الفتى من قريش يهذي حتى قال شعرًا»، لم يكن يقصد الدربة والتمرن، وإنما يقصد إحساسه بالأشياء. وعندما ننظر في شعر ابن أبي ربيعة ندرك فيه جليًا مسحة الإحساس، فأي شيء غير الإحساس في رائعته «ليت هندًا أنجزتنا ما تعد»، والتي يختمها بقوله الساحر:كلما قلت متى ميعادناضحكت هند وقالت بعد غدإن ضحكة هند، ومطلها الدائم باللقاء، من المحاسن التي لا تُدرك إلا بالشعور.لا بد للشاعر من طفولة تعمق إحساسه بالأشياء، وحين تفارقه تلك الطفولة يصبح حكيمًا. لقد كان نزار قباني في قصيدته «ماذا أقول له» طفلًا في هواه وحيرته وسؤاله وضلال دعواه، فأي دعوى أعظم من قوله:الحب في الأرض بعض من تخيلنالو لم نجده عليها لاخترعناهإنها الطفولة الجامحة التي لا تقنع إلا بما تريد…ولقد كان نزار في قصيدته هذه أول شاعر يقف على أطلال الشعور، فانظر لهذا التطالل الجميل:هنا جريدته في الركن مهملةهنا كتاب معًا كنا قرأناهعلى المقاعد بعض من سجائرهوفي الزوايا بقايا من بقاياهلقد كان شعراء الوجد يكتفون بأطلال أماكن الحب الفسيحة دون أن يدخلوا في تفاصيل الشعور الصغيرة.وحين تسللت الأحكام القطعية والحكمة السارية إلى نزار قباني فقال:فكيف أهرب منه إنه قدريلا يملك البحر تغييرًا لمجراهافتقر بيته إلى توهج الطفولة وتألق الشعور، فالشعر عاطفة أولًا… يكون.














